تفترض العلاقة الزوجية في أصلها قياماً على مبادئ الأمانة والإخلاص، وهو ما يبرر، من منظور السياسة الجنائية، محدودية تدخل القانون الجنائي في تأطير هذه العلاقة، والاكتفاء بالحد الأدنى من الضوابط التي تضمن الحفاظ على تماسكها واستمراريتها، باعتبارها الخلية الأساسية في بناء المجتمع، وركنا جوهريا في مسار الرقي والتحضر الإنساني.
ويُلاحظ أن حياد الأداة الجنائية لا يقتصر فقط على الجوانب الاجتماعية للعلاقة الزوجية، بل يمتد أيضا إلى تنظيم المعاملات المالية بين الزوجين. إذ اختار المشرع، في إطار فلسفة حمائية للأسرة، استبعاد العقاب في ما يتعلق بجرائم السرقة والنصب وخيانة الأمانة متى وقعت بين الزوجين، مكتفيا بفتح الباب أمام الطرف المتضرر للمطالبة بالتعويض المدني، وذلك استناداً إلى مقتضيات الفصول 534و 541و 548 من القانون الجنائي، في محاولة للحفاظ على استقرار البنية الأسرية وتفادي الزج بالخلافات الزوجية في أروقة العدالة الجنائية.
وإن كانت هذه المقاربة تجد مشروعيتها في بعض الاعتبارات الواقعية التي تفترض حسن نية المشرع في تغليب مصلحة الأسرة على الاعتبارات الزجرية، فإن التطورات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة، أفرزت واقعا مغايراً، تجلى في تصاعد نسب التفكك الأسري، وتنامي عدد القضايا المتعلقة بجرائم النصب وخيانة الأمانة والسرقة بين الأزواج. وهو ما يعكس تحولا بنيويا في طبيعة العلاقات الأسرية، ويضع النص الجنائي أمام تحدي مراجعة فلسفته التقليدية في هذا المجال.
وقد زاد من حدة هذا الإشكال التضارب القائم بين توجه مدونة الأسرة، التي أقرت في إحدى موادها (م.49) مبدأ الاستقلالية في الذمة المالية بين الزوجين، وبين مقتضيات القانون الجنائي التي ما تزال تُقصي هذه العلاقات من دائرة العقاب، في تناقض صارخ مع الواقع الاجتماعي والتطورات القانونية. وهو ما يُبرز خللاً على مستوى التنسيق بين النصوص القانونية، ويطرح تساؤلات حول مدى نجاعة هذه الفلسفة في حماية كيان الأسرة، بل قد يُفهم منها، بشكل غير مباشر، تشجيع غير مقصود على استغلال الثقة الزوجية، بما يهدد مقومات الأمان الأسري.
وعليه، فإن مقاربة أكثر توازناً تقتضي من المشرع إعادة النظر في هذا التوجه، من خلال تبني مقاربة جنائية أكثر انسجاماً، على غرار ما تم اعتماده في عقاب الخيانة الزوجية بتقييد المتابعة بتقديم شكاية من المتضرر، مع مراعاة التوفيق بين مقتضيات حماية الأسرة، وضمان الحقوق الفردية للأزواج، في أفق تحقيق عدالة جنائية منصفة تواكب التحولات المجتمعية الراهنة.
د. عادل أزيرار
دكتور في الحقوق وباحث في العلوم الجنائية








