التحول الجنائي في مادة الشيك وانعكاسه على الالتزام الصرفي في ضوء القانون 71.24
ياسيــن كحلـي
مستشار قانوني وباحث في العلوم القانونية
مقدمـة
يعد الشيك الدعامة الأساسية التي يقوم عليها الوفاء في المعاملات التجارية والمدنية على حد سواء، نظرا لما يتمتع به من خصائص صرفية تجعل منه أداة وفاء مستحقة بمجرد الاطلاع، تحل محل النقود في تداول الأموال. ولأن “الثقة” و”الائتمان” هما عصب الحياة الاقتصادية، فقد أحاط المشرع المغربي ورقة الشيك بحماية جنائية صارمة لعقود طويلة، جعلت من العقوبة السجنية وسيلة الردع الأساسية لمواجهة جرائم الشيك .
في حين أن التحولات الاقتصادية المعاصرة، وتراكم الإكراهات المرتبطة بالتضخم السجني وتعثر المقاولات، فرضت على المشرع ضرورة مراجعة هذه السياسة الجنائية التقليدية. وجاء القانون رقم 71.24 القاضي بتعديل وتتميم مدونة التجارة ليعلن عن مرحلة جديدة عنوانها “العدالة التصالحية”؛ وهي فلسفة تشريعية تروم التوفيق بين مصلحتين متعارضين : مصلحة المستفيد في استخلاص دينه بسرعة وفعالية، ومصلحة الساحب في تسوية وضعيته المالية بعيدا عن قضبان السجن، مع مراعاة السلم الأسري والاجتماعي.
هذا التحول لم ينعكس فقط على مستوى تخفيف العقوبات، بل طال البنية الإجرائية والمسطرية عبر استحداث محطات وسيطة كالإعذار بالتسوية، وإقرار موانع ملاحقة موضوعية كالحصانة العائلية، فضلا عن نظام الغرامة التصالحية والصلح الإبرائي.
إن رهان المشرع المغربي لذي اشتغل على الملاءمة بين ضرورات الاستقرار الاقتصادي ومتطلبات الأمن القضائي، يضعنا أمام تساؤل جوهري يشكل العمود الفقري لهذا البحث، ويتجسد في الإشكالية الآتيــة :
إلى أي حد استطاع المشرع من خلال القانون رقم 71.24 التوفيق بين مرونة الجزاء الجنائي القائم على فلسفة العدالة التصالحية، وبين الحفاظ على صرامة الالتزام الصرفي الناشئ عن توقيع الشيك وضمان فاعليته كأداة وفاء؟
وفي سبيل الإحاطة بجوانب هذه الإشكالية، تقتضي المنهجية المعتمدة معالجة القضايا الفرعية الآتيــة :
1. هل تشكل الضوابط المسطرية المستحدثة (كالإعذار والحصانة) عائقا أمام نفاذ الالتزام الصرفي، أم أنها مجرد آلية لعقلنة المتابعة الزجرية؟
2. كيف تساهم بدائل الدعوى العمومية ونظام الغرامة التصالحية في تكريس “العدالة الائتمانية” دون المساس بالهوية القانونية لورقة الشيك؟
3. ما هي حدود التمايز بين الآثار القانونية لكل من الوفاء والإيداع والتنازل على كل من الخصومة الجنائية والالتزام الصرفي؟
ولمقاربة هذه الإشكالية في أبعادها المختلفة، والإجابة على التساؤلات المستخلصة منها، اعتمدنا تصميما ثنائيا يزاوج بين التحليل المسطري والتقعيد الموضوعي؛ حيث سنخصص المحور الأول لدارسة القواعد الإجرائية والموانع الجنائية التي استحدثها المشرع، ومدى تأثيرها على نفاذ الالتزام الصرفي. على أن نخصص المحور الثاني لرصد تجليات العدالة التصالحية وآثار بدائل الدعوى العمومية على وظيفة الشيك كأداة وفاء. وبناء على ذلك، سنشرع في بسط معالم هذا الطرح وفق التقسيم الآتــي :
المحور الأول : الضوابط المسطرية للمتابعة وأثرها على فعالية الالتزام الصرفي
المحور الثاني : بدائل الدعوى العمومية وانعكاساتها على وظيفة الشيك كأداة وفاء
وعليه، نستهل دراستنا بالمحور الأول، الذي يروم استجلاء القواعد المسطرية الجديدة، وذلك وفق الشكل الآتـي :
المحور الأول : الضوابط المسطرية للمتابعة وأثرها على فعالية الالتزام الصرفي
يقتضي استجلاء معالم السياسة الجنائية الجديدة في مادة الشيك، الوقوف أولا عند طبيعة التوفيق التشريعي بين فعالية الائتمان وأنسنة العقاب. حيث أن المشرع من خلال القانون رقم 71.24، لم يكتف بتعديل العقوبات، بل استحدث ضوابط مسطرية وموانع موضوعية تروم عقلنة المتابعة الجنائية قبل تحريكها، وجعلها محطة أخيرة لا تسبقها إلا محاولات التسوية الودية أو مراعاة الروابط الأسرية المتينة .
في حين أن هذا التحول المسطري يضعنا أمام ضرورة البحث في مدى استقلالية الالتزام الصرفي وقوته التنفيذية عن هذه القيود الجنائية المستحدثة، مع رصد حدود التماس بين حماية الروابط العائلية وصيانة الثقة في ورقة الشيك كأداة تداول .
الفقرة الأولى : قيد الإعذار بالتسوية وحدود أثره الواقف للملاحقة الصرفية
أفرز القانون رقم 71.24 تحولا بنيويا في المسطرة الإجرائية المتعلقة بجرائم الشيك، حيث لم تعد الخصومة القضائية بين الساحب والمستفيد تنحصر في القواعد التقليدية، بل استحدثت “محطة إجرائية” وسيطة تروم فض النزاع قبل تحريك الدعوى العمومية. وإذا كان الأصل أن هذه الخصومة تتفرع إلى دعوى جنحية يمارس فيها المستفيد المطالبة بالحق المدني، ودعوى مدنية تجارية صرفة، فإن منطوق المادة 325 من مدونة التجارة -وفق الصيغة الجديدة- أقر قيدا مسطريا جوهريا يتمثل في “الإعذار بالتسوية” .
ويثور التساؤل حول مدى تأثر “نفاذ الالتزام الصرفي” بهذا المستجد الإجرائي؛ وبمعنى أدق، هل يشكل أجل الثلاثين يوما الممنوح للساحب بموجب الإعذار مانعا من ممارسة المستفيد لحقوقه المدنية أمام القضاء التجاري؟
لمقاربة هذه الإشكالية، وجب التأكيد أولا على أن الالتزام الصرفي الناشئ عن توقيع الشيك يتسم بـ “الكفاية الذاتية” والاستقلال عن العلاقات الأصلية (العلاقة السببية)، وهو ما يكرس طبيعة الشيك كأداة وفاء مستحقة بمجرد الاطلاع وفق المادة 267 من مدونة التجارة التي تنص صراحة على أن : “الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع. ويعتبر كل بيان مخالف كأن لم يكن”. وتباعا لذلك، نرى أن هذا الإعذار يظل قيدا جنائيا محصنا لا يمتد أثره لتقييد الالتزام الصرفي، وذلك وفق المحددات الآتيــة :
أولا : حصرية الارتباط بين آلية الإعذار والدعوى العمومية حيث ان يكشف التمعن في صياغة المادة 325 المعدلة بموجب القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، أن المشرع ربط “الإعذار” بلفظ “المتابعة” بنصه على أنه : “يجب أن تسبق المتابعة إعذار ساحب الشيك بأن يقوم بتسوية وضعيته خلال أجل ثلاثين يوما من تاريخ هذا الإعذار”. هذا المصطلح ينصرف حصرا إلى الحقل الجنائي، والمقصود به تحريك الدعوى العمومية وممارستها من طرف النيابة العامة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال سحب هذا المفهوم على الدعوى المدنية التي تهدف إلى “الرجوع على الموقعين” وفق مقتضيات القانون الصرفي .
ويعضد هذا الطرح الموقف الرسمي لرئاسة النيابة العامة ـ وفق دوريتها عدد 05/ر.ن.ع/س/ق 2/2026، بتاريخ 03 فبراير 2026 ـ الذي يؤكد أن الإعذار يتم في قالب استجوابي تباشره الشرطة القضائية تحت إشراف النيابة العامة حسب الفقرة السابعة من المادة 325 من القانون رقم 71.24، وهو إجراء يندرج ضمن صلاحيات البحث والتحري عن الجرائم لا استخلاص الديون المدنية.
بل إن المشرع ارتقى بآلية الإعذار من مجرد مهلة زمنية سلبية إلى “مسطرة مراقبة نشطة”؛ إذ نصت المادة 325 صراحة على إمكانية إقران هذا الإعذار بتدبير “المراقبة الإلكترونية” أو ما يعرف بـ “السوار الإلكتروني”. ويعد هذا المقتضى ترجمة فعلية لمرونة الجزاء الجنائي؛ فهو يسمح للساحب بالبقاء في حالة سراح لمزاولة نشاطه وتدبير السيولة اللازمة للوفاء تجسيدا لمبدأ أنسنة العقاب، لكنه في الوقت ذاته يبقيه تحت مجهر الرقابة القضائية الدائمة ضمانا لحماية الائتمان. وبذلك، يتحول السوار من أداة عقابية تقليدية إلى “وسيلة ضغط إجرائية” غايتها الأسمى ضمان نفاذ الالتزام الصرفي خلال الأجل القانوني للتسوية، خاصة وأن المشرع منح النيابة العامة صلاحية تمديد هذا الأجل لمدد مماثلة ـ شريطة موافقة المستفيد ـ مع استمرار مفعول المراقبة الإلكترونية، مما يجسد جوهر “العدالة الاستخلاصية” التي تجعل من تدابير المراقبة وسيلة تقنية لتحقيق الوفاء المادي .
وبناءً عليه، فإن الحق في المطالبة القضائية المدنية يظل بمنأى عن هذا القيد الزمني، لكون “الأثر الموقف” للإعذار ولتدابير المراقبة القضائية المصاحبة له ينصرف للمتابعة الزجرية دون سواها، مما يمنع تجميد حقوق المستفيد المدنية تحت ذريعة الأجل القانوني للتسوية، ويؤكد استقلالية المسار الصرفي عن القيود الإجرائية التي تفرضها السياسة الجنائية الحديثة .
ثانيـا : استمرارية الحق في إيقاع الحجوز التحفظية حيث تمثل هذه الحجوز التحفظية وسيلة ائتمانية وضمانة قانونية للدائن ضد مخاطر إعسار المدين أو تهريب أصوله. وإيمانا من المشرع بضرورة حماية الائتمان، فإن شرط الإعذار المستحدث بموجب المادة 325 من القانون رقم 71.24 لا يشكل حائلا دون لجوء المستفيد إلى رئيس المحكمة استنادا للفصل 148 من قانون المسطرة المدنية للمطالبة بإيقاع حجز تحفظي على عقارات أو منقولات الساحب.
إن المادة 283 من القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة لا تزال تكرس حق الحامل في الرجوع على المظهرين والساحب والملتزمين الآخرين بمجرد إثبات الامتناع عن الوفاء باحتجاج، وهو ما ينسجم مع الفصل 138 من ظهير الالتزامات والعقود. ومن وجهة نظر ممارسة، فإن نفاذ الالتزام الصرفي خلال فترة الإعذار 30 يوما الممنوحة للساحب يعد “صمام أمان” يقي الدائن من الضرر الذي قد يلحقه نتيجة استغلال الساحب لهذه المهلة القانونية للتصرف في أمواله إضرارا بدائنيه، مما يجعل الالتزام الصرفي “فوق” قيود المتابعة الزجرية من حيث النفاذ الزمني.
ثالثـا : ممارسة مسطرة الأمر بالأداء في ظل الإعذار الجنائي، حيث يظل ثبوت الالتزام الصرفي واستحقاق الدين هو المعيار الفصل أمام القضاء المدني والتجاري. وتطبيقا لمبدأ “الخيار بين الطريقين”، يحق للمستفيد استصدار “أمر بالأداء” وفق مقتضيات الفصول 155 وما يليها من قانون المسطرة المدنية بشأن كل مبلغ مالي يتجاوز 5000 درهم مستحق بموجب ورقة تجارية، دون اشتراط سلوك مسطرة الإعذار الجنائية مسبقا .
في حين أن هناك “تقاطعا من حيث الاثار” يجب التنبيه إليه؛ فإذا استجاب الساحب للإعذار الجنائي وقام بتسوية الدين بصندوق المحكمة، فإن هذا الأداء يترتب عليه – بقوة القانون – سقوط الدعوى العمومية وفق المادة 325 من القانون رقم 71.24، ويؤدي بالموازاة إلى انقضاء الالتزام الصرفي بالوفاء. وفي هذه الحالة، يحق للساحب التعرض على “الأمر بالأداء” أو المطالبة بإيقاف تنفيذه وفق الفصل 163 من قانون المسطرة المدنية لانتفاء موضوعه، مما يبرز تداخل مفاعيل “الوفاء” بين ما هو زجري وما هو صرفي، دون أن يمس ذلك بــ “أصل الحق” في التقاضي المدني المستقل .
الفقرة الثانية : الحصانة الجنائية لساحب الشيك في نطاق القرابة ونفاذ الحق المدني
استحدث القانون رقم 71.24 في المادة 325 من مدونة التجارة مقتضى قانونيا ذا أبعاد اجتماعية وحقوقية صرفة، يرمي إلى “أنسنة” المقاربة الزجرية في الجرائم المرتبطة بورقة الشيك والحفاظ على السلم الأسري. فقد نصت هذه المادة في صيغتها الجديدة على أنه : “… ودون الإخلال بحق المتضرر في اللجوء إلى القضاء المدني، لا جريمة ولا عقوبة في الحالات المنصوص عليها في البند الأول من المادة 316 أعلاه، إذا تعلق الأمر بالأزواج أو الأصول أو الفروع من الدرجة الأولى.
وتسري مقتضيات الفقرة الرابعة أعلاه، إذا تعلق الأمر بالأزواج، خلال مدة الأربع سنوات الموالية لانحلال ميثاق الزوجية”.
ويقتضي تحليل هذا المستجد التشريعي التوقف عند طبيعة هذه “الحصانة” ومدى تأثيرها على نفاذ الالتزام الصرفي، خاصة في ظل مبادئ قانون الصرف.
أولا : نطاق الحصانة الجنائية وإشكالية تعدد الموقعين إن التوجه التشريعي نحو محو الصفة الجرمية عن فعل إصدار شيك بدون مؤونة في نطاق “القرابة المباشرة” يجد مبرراته في السياسة الجنائية الحديثة. بيد أن صياغة المادة 325 تثير إشكالات عملية معقدة عند خروج الشيك عن الدائرة الثنائية (ساحب / مستفيد) .
ففي الحالة التي يقوم فيها الساحب بإصدار شيك لفائدة زوجته، وتبادر الأخيرة إلى تظهيره للغير، يصبح هذا “الغير” حاملا شرعيا أجنبيا عن الرابطة العائلية. وهنا يثور التساؤل : هل يستفيد الساحب من الحصانة الجنائية أمام مطالبة الحامل الأجنبي؟
إن القراءة السليمة للنص تقتضي القول بأن الحصانة ترتبط بصفة “الأطراف” في العلاقة التي نشأ عنها النزاع الجنائي. ونرى من جهتنا أن المشرع، باستعماله عبارة “إذا تعلق الأمر بالأزواج”، قد فتح الباب لتأويلات واسعة، في حين كان من الأجدر حصر المقتضى في العلاقة المباشرة بين المشتكي والمشتكى به. فالحامل الشرعي (الغير) لا يمكن أن يتحمل تبعات علاقة أسرية ليس طرفا فيها، وإلا أدى ذلك إلى تقويض الثقة في الشيك كأداة تداول.
ثانيـا : استقلال الالتزام الصرفي عن الموانع الزجرية رغم إقرار المشرع لمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة”، إلا أنه حصن الالتزام الصرفي بشكل قطعي عبر التنصيص صراحة على عبارة “دون الإخلال بحق المتضرر في اللجوء إلى القضاء المدني”.
هذا التمييز بين “المسؤولية الجنائية” و”المسؤولية المدنية الصرفية” ينسجم مع خصوصية المادة التجارية؛ فقانون الصرف والالتزام الصرفي يقومان على مبادئ صارمة، أهمهـا :
• مبدأ استقلال التوقيعات : بحيث لا يؤثر بطلان التزام أحد الموقعين أو وجود مانع ملاحقة تجاهه على صحة التزامات الموقعين الآخرين.
• مبدأ تضامن الموقعين : وهو ما كرسه المشرع في المادة 287 من مدونة التجارة التي تنص على أنه : “يسأل جميع الملتزمين بمقتضى شيك على وجه التضامن نحو الحامل.
يحق للحامل أن يوجه الدعوى ضد جميع هؤلاء الأشخاص فرادى أو جماعة دون أن يكون ملزما باتباع الترتيب الذي صدر به التزامهم”.
ثالثـا : يكشف استقراء المادة 325 المعدلة، في ارتباطها بالمادة 287 من مدونة التجارة، عن توازن دقيق بين فلسفتين؛ فبينما تتبنى السياسة الجنائية مقاربة “تصالحية” تمنح حصانة للأقارب (أعذار معفية) حماية للنسيج الأسري، يظل قانون الصرف متمسكا بصرامته من خلال مبدأي “الكفاية الذاتية” و”تطهير الدفوع” لضمان حقوق الأغيار وتداول الشيك بأمان .
فالحصانة الجنائية المقررة للأزواج والأصول (الدرجة الأولى) لا تعدو أن تكون مانعا من موانع المتابعة، ولا يمتد أثرها لإبراء الذمة المالية للساحب؛ فهي “قيد إجرائي” يغل يد النيابة العامة عن تحريك الدعوى العمومية دون أن يمس بجوهر الالتزام.
وتباعا لذلك، تظل القوة القانونية لورقة الشيك كأداة وفاء قائمة، حيث يحق للمستفيد مباشرة إجراءات الحجز التحفظي أو استصدار أمر بالأداء؛ فإذا كانت “الصفة الجرمية” قد سقطت بموجب المادة 325 من القانوني رقم 71.24، فإن “الدين الصرفي” يظل مستحقا بقوة التوقيع، انصياعا لمتطلبات الائتمان التجاري التي لا تتوحد فيها معايير الروابط الأسرية مع صرامة الالتزامات المالية.
المحور الثاني : بدائل الدعوى العمومية وانعكاساتها على وظيفة الشيك كأداة وفاء
إذا كان المحور السابق قد انصب على القيود المسطرية والموانع الموضوعية للمتابعة، هذا يقودنا بالضرورة إلى الانتقال نحو رصد تجليات “العدالة التصالحية” كخيار استراتيجي تبناه المشرع في القانون رقم 71.24.
فمن خلال إقرار بدائل مرنة للدعوى العمومية، وتلطيف الجزاء الجنائي في بعض الجرائم الصرفية، يبدو أن المشرع قد سعى إلى تغليب منطق “الوفاء” على منطق “العقاب”. وهو ما يضعنا أمام ضرورة البحث في مدى انعكاس هذه الآليات التصالحية على الوظيفة الائتمانية لورقة الشيك، واستقراء حدود التداخل بين انقضاء الخصومة الجنائية واستمرارية الالتزام الصرفي في ظل تعدد صور التسوية بين الوفاء والإيداع والتنازل .
الفقرة الأولى : خصوصية الصلح الجنائي في جريمة الشيك وتكامله مع قواعد الصرف
تقتضي دراسة العلاقة الجدلية بين الصلح الجنائي ونفاذ الالتزام الصرفي تفكيك ماهية هذا الصلح باعتباره آلية بديلة للدعوى العمومية، لم تعد تهدف للزجر العقابي المحض بقدر ما تهدف إلى تكريس “عدالة استخلاصية” غايتها الأساسية جبر ضرر الضحية. في حين أن المشرع في القانون رقم 71.24 أوجد نموذجا ـ خصوصيا ـ للصلح في مادة الشيك، ينفرد في بنيته وآثاره عن القواعد العامة للصلح الجنائي والمدني؛ فهو صلح لا يرتهن دائما بتوافق الإرادات، بقدر ما يرتهن بواقعة الوفاء المادي كمعيار موضوعي لسقوط المتابعة أو وقف تنفيذ العقوبة.
أولا : التباين الإجرائي بين الصلح في المادة 41 من القانون رقم 03.23 المتعلق بالمسطرة الجنائية والمادة 325 المعدلة في مدونة التجارة يتجلى بالرجوع إلى القواعد العامة للصلح الجنائي المنصوص عليها في المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية، نجدها تقوم على “تلاقي إرادتين” تحت إشراف النيابة العامة وتصديق رئيس المحكمة، حيث يشكل “تراضي الطرفين” ركنا جوهريا لا يغني عنه أي إجراء آخر.
بالمقابل، نجد أن القانون رقم 71.24 عبر المادة 325 من مدونة التجارة، تبنى منهجية “واقعة الأداء المادي” كبديل عن “التوافق الإرادي”. فالصلح هنا يتحقق بمجرد ثبوت الوفاء أو إيداع قيمة الشيك بصندوق المحكمة، ولو في غياب تنازل صريح من المستفيد.
هذا التوجه التشريعي يجعل من القضاء سيد القرار في تدبير وضعية المتهم، حيث تنص المادة 325 على أن الوفاء أو التنازل يضع حدا لتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ويمحو آثارها، شريطة أداء الغرامة المحكوم بها وفق المادة 316 من نفس القانون .
ثانيـا : سيادة القضاء الجنائي مقابل رضائية العقد المدني، حيث يبرز الاختلاف الجوهري بين الصلح الجنائي والصلح المدني (المؤطر بالفصل 1098 من ظهير الالتزامات والعقود) في كون الأخير “عقدا” يتوقف على تلاقي إرادة الساحب والمستفيد لحسم نزاع قائم أو توقي قيامه عبر تنازلات متبادلة.
أما في ظل مستجدات المادة 325 من القانون رقم 71.24، فإننا أمام “صلح إجرائي” تفرضه سلطة القانون؛ إذ أجازت الفقرة التاسعة من هذه المادة للساحب إيداع قيمة الشيك بصندوق المحكمة في حال غياب الصلح أو التنازل، وهو إجراء يغل يد النيابة العامة عن المتابعة أو الاستمرار في تنفيذ العقوبة، مع إحالة المستفيد على القضاء المدني للمطالبة بالتعويض عن التماطل والمصاريف.
هذا المقتضى يكرس مبدأ “سيادة القضاء” ويمنع الدائن من اتخاذ الدعوى العمومية وسيلة “للتعسف” أو “الابتزاز” في حال توفرت السيولة المالية (المؤونة) لدى الساحب.
ثالثـا : تلازم الآثار والتقريب بين النظامين على الرغم من تباين البنية (جنائية إجرائية مقابل مدنية عقدية)، إلا أن القانون رقم 71.24 حاول خلق نوع من التكامل بينهما لضمان استقرار المراكز القانونية. ويتجلى ذلك في الفقرة العاشرة من المادة 325 على أنه : “لا يجوز الرجوع في الصلح أو التنازل حسب هذه المادة إلا في الأحوال التي يجيز القانون الطعن فيه”.
هذا المقتضى يمنح الصلح الجنائي في مادة الشيك “قوة إلزامية” استثنائية؛ فبموجب الفقرة العاشرة من المادة 325 من القانون رقم 71.24، لا يجوز الرجوع في الصلح أو التنازل إلا في الأحوال التي يجيز فيها القانون الطعن فيه (كعيوب الرضا). والغاية من هذا التكامل المنهجي هي تكريس الأمن القضائي واستقرار المراكز القانونية؛ إذ يترتب على الوفاء أو الإيداع بصندوق المحكمة سقوط الدعوى العمومية أو وقف تنفيذ العقوبة الحبسية بشكل حاسم. وهو ما زكاه تقرير لجنة العدل والتشريع حول القانون 71.24، الذي شدد على أن الهدف هو إيجاد حلول نهائية تضمن نفاذ الالتزامات الصرفية عبر تحفيز الساحب على الأداء مقابل استعادة حريته، مما يجعل الوفاء هو المحرك الأساسي لهذه العدالة التصالحية.
رابعـاً : خصوصية الصلح المتعلق بورقة الشيك مقارنة بقانون المسطرة الجنائية، إذ نسجل في هذا السياق أن الصلح في مادة الشيك بموجب القانون 71.24 يتجاوز قيود المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية من وجهيــن :
1. من يحيث النطاق الزمني : يمكن تفعيله حتى بعد اكتساب الحكم قوة الشيء المقضي به (المادة 325 م ت).
2. من حيث أثر الإيداع : إيداع المبلغ بصندوق المحكمة ينتج أثره المسقط للعقوبة السالبة للحرية بقوة القانون، في حين أن المادة 41 من ق م ج تستلزم دائما موافقة الضحية.
إن هذا التمايز التشريعي يجعل من مقتضيات الشيك نظاما قانونيا خاصا يرجح في تطبيقه على القواعد العامة للمسطرة الجنائية. وتتجلى غايته الأساسية في إحداث توازن موضوعي بين مصلحتين متعارضين : حق المستفيد في استخلاص دينه بسرعة وفعالية، وحق الساحب في تسوية وضعيته المالية والاحتفاظ بحريته. وهو ما يجسد جوهر العدالة الائتمانية التي نادى بها المشرع؛ فبدلا من التركيز على العقوبة السجنية كهدف في حد ذاته، أصبح الهدف الأسمى هو ضمان وصول الأموال لأصحابها مع الحفاظ على استمرارية الفاعلين الاقتصاديين في الدورة الإنتاجية.
الفقرة الثانية : الأداء الإبرائي والتعويض عن التماطل في ظل نظام الغرامة التصالحية
تكرس المادة 267 من مدونة التجارة المبدأ الجوهري الذي يقوم عليه نظام الشيك، بنصها على أن : “الشيك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع. ويعتبر كل بيان مخالف كأن لم يكن”. وبموجب هذا المبدأ، يتميز الشيك عن “الكمبيالة” بكونه أداة وفاء لا أداة ائتمان، مما يفرض توفر مقابل الوفاء (المؤونة) لحظة التوقيع. وضمانا لعدم انحراف الشيك عن وظيفته الاقتصادية، كان المشرع في المادة 316 (قبل التعديل) يقرر عقوبة حبسية قاسية تصل إلى خمس سنوات لكل من قبل تسلم شيك على سبيل الضمان. في حين أن القانون رقم 71.24 أحدث انعطافا تاريخيا في السياسة الجنائية المرتبطة بهذه الجريمة، من خلال إلغاء العقوبة السالبة للحرية واستبدالها بنظام “الغرامة التصالحية”.
أولا : التحول من الزجر الحبسي إلى الغرامة التصالحية، حيث كانت المادة 316 في صيغتها السابقة تعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة مالية كل من قبل أو ظهر شيكا شرط ألا يستخلص فورا. وقد أثبت الواقع العملي أن هذه العقوبة كانت تطال “الدائن” (المستفيد) الذي غالبا ما يكون تاجرا أو مقاولا اضطرته ظروف المعاملات لقبول الشيك كضمان، مما يؤدي إلى مفارقة قانونية تتمثل في سجن صاحب الحق.
وجاء القانون رقم 71.24 ليصحح هذا الوضع، حيث نص في مقتضياته الجديدة من خلال الفقرة الثالثة من المادة 316 على أنه : “يعاقب بغرامة تحدد قيمتها في %2 من قيمة الشيك كل شخص قام عن علم بقبول تسلم أو تظهير شيك شرط ألا يستخلص فوراً وأن يحتفظ به على سبيل الضمان”. وبموجب هذا التعديل، انتقل المشرع من “الردع الحبسي” إلى “الجزاء المالي التصالحي”.
ومن جهة ثانية، نرى أن إقرار “الغرامة التصالحية” (%2 من قيمة الشيك) يعد من أبرز حسنات القانون رقم 71.24، لاعتبارات عدة أهمها الانسجام مع المنطق التوفيقي؛ إذ لا يستقيم من منظور العدالة أن يزج بالدائن في السجن بسبب وسيلة استخلاص حقه. كما أن هذا التوجه يحافظ على الطبيعة الزجرية لفعل قبول شيك الضمان من جهة، ومن جهة أخرى يحمي الحرية للدائنين عبر تجريد العقوبة من طابعها السالب للحرية؛ مما يساهم في تخليق مناخ الأعمال وفق رؤية “العدالة الائتمانية” التي توازن بين الردع المالي ومرونة التجارة.
ثانيـا : حماية طبيعة الشيك كوسيلة أداء أمام مرونة الجزاء، حيث تثير جدلية الصلح الجنائي ونفاذ الالتزام الصرفي تساؤل جوهري حول مدى مساس التعديلات الجديدة بالهوية القانونية للشيك؛ فهل يعتبر إلغاء العقوبة الحبسية في جريمة قبول الشيك على سبيل الضمان وتكريس الغرامة التصالحية، تحولا ضمنيا عن طبيعة الشيك كأداة وفاء؟
ينطلق قانون الصرف من قاعدة صلبة ترفض اقتران الشيك بأجل. ومن هذا المنطلق، فإن المشرع في القانون رقم 71.24، وبمنهجية تتسم بالتبصر والحكمة، اختار عدم المساس بالبناء النظري للشيك؛ فالتراجع عن العقوبة الحبسية لا يعني “شرعنة” الضمان، بل هو إعادة هندسة للجزاء الجنائي. على اعتبار أن الفعل لا يزال موصوفا بكونه “جريمة” كجنحة ضبطية، مما يعني أن الحظر القانوني لا يزال قائما لحماية طبيعة الشيك كوسيلة أداء .
إن استبدال العقوبة الحبس بغرامة %2 من قيمة الشيك يجسد مقاربة حقوقية ترفض سلب الحرية في نزاع مالي، لكنها في الوقت ذاته تفرض “جزاء ماليا” يخدم خزينة الدولة ويؤدب المخالف. وأما بقاء الفعل مجرما يحرم الأطراف من الاستناد إلى خطئهم (قبول الضمان) للتهرب من الوفاء الصرفي. وبالتالي نخلص إلى أن التعديل الجديد لا يشكل “ردة قانونية” عن خصائص الشيك، بل هو تأكيد عليها بأسلوب معاصر.
ثالثـا : الآثار المتباينة للوفاء والإيداع والتنازل عن الشكاية يقتضي معالجة جدلية الصلح الجنائي ونفاذ الالتزام الصرفي التمييز الدقيق بين إنهاء “الخصومة الإجرائية” وانقضاء “الحق الموضوعي”. وقد أوجد القانون رقم 71.24 ثلاث وضعيات قانونية تختلف آثارها الصرفية باختلاف طبيعة التسويــة :
1. الوفاء كسبب لسقوط المتابعة وانقضاء الدين : تعد هذه الحالة الأكمل؛ حيث يؤدي أداء قيمة الشيك مع الغرامة التصالحية إلى انقضاء الدعوى العمومية في جميع مراحلها. أما صرفيا، فإن الوفاء للمستفيد هو السبب الطبيعي لانقضاء الالتزام، مما ينهي الخصومة بجانبيها الزجري والمدني نتيجة تسلم الدائن لحقه الثابت في ذمة الساحب.
2. إيداع مبلغ الشيك بصندوق المحكمة : استحدث القانون رقم 71.24 مقتضى غاية في الأهمية في الفقرة التاسعة من المادة 325 منه، مفاده أن إيداع الساحب لقيمة الشيك بصندوق المحكمة (بعد إعذاره) يغل يد النيابة العامة عن المتابعة الزجرية، لكنه لا ينهي النزاع المدني كليا. فالإيداع يؤدي لانقضاء الالتزام الصرفي ـ أصل الدين ـ، غير أنه لا يحرم المستفيد من الحق في مراجعة القضاء المدني للمطالبة بالتعويض التكميلي عما لحقه من ضرر ناتج عن تماطل الساحب.
3. التنازل عن الشكاية : رتب المشرع على “التنازل عن الشكاية” نفس الآثار الزجرية المترتبة على الوفاء. في حين نرى أن هذا التنازل يظل محصور الأثر في الشق الجنائي، ولا يمس الالتزام الصرفي إلا إذا تضمن المحضر عبارة صريحة تفيد إبراء ذمة المدين موضوعيا. فإذا تنازل المستفيد مع الاحتفاظ بحقه في المطالبة المدنية، فإن التزامات الساحب الصرفية تظل قائمة ومنتجة لآثارها أمام القضاء التجاري .
خاتمة
نخلص في ختام هذه الدراسة التحليلية إلى أن القانون رقم 71.24 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، قد دشن تحولا بنيويا في السياسة الجنائية المغربية؛ حيث انتقل بالمشرع من المقاربة العقابية الصرفة القائمة على كفاية الزجر، إلى مقاربة تصالحية وظيفية تعلي من شأن الوفاء المادي وتصون الروابط الاجتماعية.
ومن خلال تحليلنا للتوفيق بين فلسفة “العدالة التصالحية” وصرامة “القانون الصرفي”، يمكننا إجمال أهم النتائج والملاحظات في النقاط الآتيـة :
• أولا : إن القيود المسطرية المستحدثة (كالإعذار والحصانة العائلية) لم تأتِ لتقويض القوة التنفيذية للشيك، بل لـ “عقلنة” استعمال الدعوى العمومية؛ فالالتزام الصرفي يظل قائما ونافذا أمام القضاء التجاري والمدني، مما يكرس استقلالية الذمة المالية عن المسؤولية الجنائية.
• ثانيـا : أثبتت الدراسة أن نظام “الصلح الجنائي” في مادة الشيك يتميز بخصوصية إجرائية تجعل من “الوفاء أو الإيداع” واقعة مادية كافية لغل يد النيابة العامة، وهو ما يحد من تعسف الدائنين ويشجع المدينين على تسوية وضعيتهم المالية.
• ثالثـا : إن التحول من العقوبة الحبسية إلى “الغرامة التصالحية” في جريمة قبول شيك على سبيل الضمان، يعد اعترافا بواقع المعاملات وتصحيحا لمفارقة قانونية كانت تطال الدائن قبل المدين، مع الحفاظ على صبغة “التجريم” لضمان عدم انحراف الشيك عن وظيفته كأداة وفاء.
وعلى ضوء هذه الاستنتاجات، وتطلعا لتجاوز بعض الثغرات العملية، نتقدم بجملة من المقترحات التي نراها كفيلة بتحقيق التوازن المنشود :
• مأسسة التكوين التخصصي : الرفع من كفاءة المتدخلين في العدالة الجنائية، من قضاة نيابة عامة وضباط الشرطة القضائية، عبر دورات تكوينية متخصصة لاستيعاب الآليات التقنية للصلح والإعذار، ضمانا لتوحيد الرؤية القضائية وتجنبا للتضارب في التنزيل العملي لمقتضيات القانون 71.24
• تحيين المقتضيات التفسيرية : دعوة المشرع أو رئاسة النيابة العامة (عبر دوريات توضيحية) إلى ضبط النطاق الشخصي للحصانة العائلية، بما يضمن عدم تمددها في مواجهة “الحامل الأجنبي” عن الرابطة الأسرية، صيانة لمبدأ “تطهير الدفوع” وحماية لخاصية التداول التي يرتكز عليها الشيك .
• استشراف التحول الرقمي : السعي نحو تبني “الشيك الإلكتروني” كخيار استراتيجي مستقبلي، لما يوفره من آليات تقنية قادرة على الرصد الآني للمؤونة، مما يقلص من منسوب المنازعات الزجرية ويسهل مأمورية العدالة التصالحية في بيئة رقمية آمنة .
[/mom_row]




