يسر مجلة الحق والقانون أن تضع بين يدي قرائها الكرام العدد الثاني من السلسلة الإلكترونية للأعداد العامة، مواصلة بذلك مسارها العلمي الرامي إلى ترسيخ ثقافة النشر الأكاديمي الجاد، وتعزيز حضور البحث القانوني في الفضاء الرقمي، بما يستجيب للتحولات المتسارعة التي يشهدها مجال المعرفة القانونية وتداولها. ويأتي هذا العدد امتدادًا للرؤية التي تبنّتها المجلة منذ تأسيسها، والقائمة على الانفتاح على مختلف التخصصات القانونية والاجتماعية، وتشجيع المقاربات العلمية المتعددة القادرة على استيعاب تعقيد الظواهر القانونية وتداخل أبعادها.
ويعكس هذا العدد تنوعا لافتا في موضوعاته، إذ يجمع بين قضايا القانون الخاص والعام، ويزاوج بين التحليل النظري والتطبيق العملي، في محاولة للإحاطة بإشكالات قانونية راهنة تتطلب قراءة متجددة وأدوات تحليل دقيقة.
فقد استُهلّ العدد بدراسة للدكتور مصطفى سدني حول “خصوصيات النسب في الزواج المختلط بين جمود قواعد المنهج التنازعي ومرونة مقتضيات المصلحة الفضلى للطفل”، والتي تطرح إشكالية عميقة في مجال القانون الدولي الخاص، تتمثل في كيفية التوفيق بين قواعد الإسناد التقليدية، التي تتسم بالجمود، وبين الاعتبارات الإنسانية المرتبطة بحماية مصلحة الطفل الفضلى، باعتبارها مبدأ كونيا يفرض حضوره في مختلف التشريعات الحديثة.
وفي سياق التحولات الدولية، تأتي دراسة الدكتور عبد الحليم الحسني حول “السياسة الأوروبية الجديدة في مجال الهجرة والعمل”، لتسلط الضوء على الدينامية القانونية التي يعرفها الاتحاد الأوروبي في تدبير قضايا الهجرة، من خلال تحليل السياسات الجديدة التي تربط بين الهجرة وسوق الشغل، وما تطرحه من تحديات قانونية وإنسانية، خاصة في ظل التوازن الدقيق بين متطلبات السيادة الوطنية والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
أما في مجال المنازعات العقارية، فقد تناول الباحث عادل أسبيك موضوع “عنصر الزمن خلال الطعن بالاستئناف في الحكم الصادر بشأن التعرض على مطلب التحفيظ”، حيث عالج إشكالية ذات طابع إجرائي دقيق تتعلق بأثر الزمن في ممارسة حق الطعن، وانعكاساته على استقرار المعاملات العقارية، مبرزًا التداخل بين القواعد الشكلية وضمانات التقاضي العادل.
وفي إطار العلاقات التعاقدية ذات الطابع الخاص، قدّم كل من مصطفى الطاهري ونبيلة الفتوحي دراسة حول “مآل واجبات التمدرس عند العدول عن التسجيل في مؤسسات التعليم العالي الخاص”، ناقشا من خلالها الإشكالات القانونية المرتبطة بفسخ العلاقة التعاقدية بين الطالب والمؤسسة التعليمية، في ضوء قواعد الالتزام والعقد، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول التوازن العقدي وحماية الطرف الضعيف، وذلك من خلال تعليق على قرار صادر عن محكمة النقض.
ومن زاوية القضاء الاستعجالي، تناولت الباحثة مريم لغزاوي موضوع “الاختصاص الاستعجالي لرئيس المحكمة الابتدائية”، مقدمة قراءة تحليلية في حدود هذا الاختصاص وضوابط ممارسته، بما يبرز خصوصيته داخل المنظومة القضائية، ودوره في تحقيق الحماية القضائية العاجلة دون المساس بجوهر الحق.
وفي مجال التدبير الإداري، ناقش كل من نور الدين لهلال وأسماء الزهراوي موضوع “دور التحفيز في الرفع من أداء الموارد البشرية بالإدارة العمومية: وزارة التربية الوطنية نموذجًا”، حيث أبرزا أهمية آليات التحفيز في تحسين مردودية الإدارة العمومية، وربط ذلك بمتطلبات الحكامة الجيدة وتجويد الخدمات العمومية. كما تناول عبد المجيد النوري “موقع عامل العمالة أو الإقليم في مدونة الشغل”، من خلال تحليل دقيق للمهام والصلاحيات المخولة له ومدى انسجامها مع باقي الفاعلين في مجال الشغل.
ولم يخلُ هذا العدد من تناول قضايا جنائية ذات راهنية مجتمعية، حيث قدمت الباحثة حنشاوي عائشة دراسة بعنوان “جرائم السحر والشعوذة بين الفراغ التشريعي والخطورة الإجرامية”، أثارت من خلالها إشكالية غياب نصوص قانونية صريحة تؤطر هذا النوع من الأفعال، مقابل ما تطرحه من مخاطر تمس الأمن الاجتماعي. وفي امتداد للإشكالات المرتبطة بالإثبات في المادة الجنائية، قدّم كل من أحمد إد الفقيه ولطيفة إدوش دراسة بعنوان “حجية محاضر الشرطة القضائية”، تطرقا فيها إلى القيمة الإثباتية لهذه المحاضر والحدود التي تقف عندها سلطتها في الإثبات، في ضوء اجتهادات القضاء وضمانات المحاكمة العادلة، بما يعكس التوازن بين فعالية العدالة الجنائية وحماية الحقوق والحريات.
وفي إطار انفتاح المجلة على مجالات العلوم الاجتماعية وتقاطعاتها مع الحقل القانوني، تضمّن هذا العدد دراسة للباحثة حورية بن الربيب بعنوان “توظيف الاستشعار عن بعد في تدريس المجال الصحراوي: نحو تعزيز التربية المجالية والتنمية المستدامة”، حيث استعرضت سبل إدماج التقنيات الجيوفضائية في العملية التعليمية، باعتبارها آلية بيداغوجية حديثة تسهم في تطوير تدريس الجغرافيا وتعزيز فهم المتعلمين لخصوصيات المجال الصحراوي، كما أبرزت أهمية هذا التوظيف في ترسيخ مبادئ التربية المجالية وتنمية الوعي بالقضايا البيئية، بما يدعم توجهات التنمية المستدامة ويكرس تكامل الأبعاد المعرفية بين القانون والعلوم الاجتماعية.
وإجمالا، يعكس هذا العدد سعي مجلة الحق والقانون إلى تقديم منتوج علمي متكامل يقوم على تنوع المواضيع وتعدد المقاربات، بما يسهم في إثراء النقاش القانوني وتعميق البحث الأكاديمي، ويعزز من موقع المجلة كفضاء علمي منفتح على مختلف القضايا والإشكالات التي تهم الحقلين القانوني والاجتماعي.
وإذ نقدم هذا العدد، فإننا نجدد التزامنا بمواصلة هذا المسار، والانفتاح على الإسهامات العلمية الجادة، دعما للبحث القانوني الرصين، وخدمة للمعرفة القانونية والاجتماعية في أبعادها النظرية والتطبيقية.
والله ولي التوفيق.
د. عبد الله الحرشي
المدير المسؤول عن مجلة الحق والقانون






