يصدر العدد الثاني من مجلة الحق والقانون في سياق تحولات رقمية متسارعة أعادت تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والمؤسساتي، وفرضت على المنظومة القانونية أسئلة جديدة تتصل بمدى قدرتها على استيعاب الظواهر التقنية المستجدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. ولم يعد هذا الأخير مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أضحى فاعلا مؤثرا في صناعة القرار، وفي تنظيم المعاملات، وفي إدارة المرافق العامة، وفي تقديم الخدمات الحيوية، بما يثير إشكالات دقيقة تتعلق بالمسؤولية، والحماية، والضبط، وتحقيق العدالة.
وفي هذا الإطار، اختير لهذا العدد محور:
“المسؤولية القانونية للذكاء الاصطناعي بين حماية الحقوق وتشجيع الابتكار”
ويعكس هذا الاختيار وعيا بضرورة مقاربة الذكاء الاصطناعي من منظور قانوني متوازن، يراعي من جهة متطلبات حماية الحقوق والحريات الأساسية، ويستحضر من جهة أخرى أهمية دعم الابتكار وعدم كبح التطور التكنولوجي بقيود تنظيمية غير ملائمة. فالإشكال لم يعد يتعلق بمجرد إدماج تقنية جديدة في الواقع القانوني، بل بإعادة التفكير في عدد من المفاهيم التقليدية، وعلى رأسها المسؤولية، والإرادة، والضرر، والعلاقة السببية، وحدود تدخل السلطة التنظيمية.
وتندرج المساهمات العلمية الواردة في هذا العدد ضمن هذا الأفق التحليلي، حيث تناولت قضايا متعددة تعكس تنوع الإشكالات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، في أبعاده المدنية والجنائية والإدارية والمؤسساتية، وكذا في امتداداته المقارنة. فقد تم التطرق إلى حماية المعطيات الشخصية والحق في النسيان الرقمي، باعتباره أحد تجليات صون الكرامة والخصوصية في البيئة الرقمية، كما نوقشت إشكالات إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال التعاقدي، وما يثيره ذلك من تساؤلات حول الرضا، والتوازن العقدي، وحدود الأتمتة في إنشاء الالتزامات وتنفيذها.
كما أولت بعض الدراسات عناية خاصة بمسألة المسؤولية القانونية، في أبعادها المدنية والجنائية والإدارية، سواء في بعدها الإداري المرتبط بمخاطر اعتماد الأنظمة الذكية داخل المرافق العمومية، ولا سيما ما يتصل برقمنة مساطر إبرام الصفقات العمومية وما تثيره من إشكالات تتعلق بالشفافية وضمان المنافسة وأمن المعطيات، أو في بعدها التأميني المتصل بتوزيع المخاطر وتحفيز الابتكار في القطاعات المالية. كما تم التطرق إلى بعض تطبيقات التحول الرقمي في المجال العقاري، ولا سيما ما يتعلق بتحديث نظام التحفيظ العقاري وآليات تدبيره الإلكتروني. وتمت كذلك مناقشة أثر التحولات الرقمية على قواعد الملكية الفكرية، في ظل بروز أنظمة قادرة على إنتاج محتوى إبداعي، مما يفرض إعادة النظر في مفاهيم المؤلف والمصنف والحماية القانونية.
وفي السياق ذاته، عالجت بعض المساهمات، في إطار مقاربات وطنية ومقارنة، العلاقة بين الأنظمة الخوارزمية والحقوق الأساسية، من خلال مساءلة مدى احترام مبادئ الشفافية والمساواة وعدم التمييز وضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى دراسة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة، وفي علاقة الخدمات العامة الأساسية بالمستهلك، وما يستلزمه ذلك من تعزيز الضمانات القانونية وصيانة الثقة في المرفق العام.
ويتميز هذا العدد أيضا بطابعه التكريمي، إذ يخصص لتكريم عدد من الأساتذة أعضاء اللجنة العلمية للمجلة الذين أحيلوا على التقاعد بعد مسيرة أكاديمية حافلة بالعطاء العلمي والتأطير والبحث، وهم:
الأستاذ الدكتور إدريس الفاخوري؛
الأستاذة الدكتور دنيا مباركة؛
الأستاذ الدكتور الحسين بلحساني؛
الأستاذ الدكتور محمد شيلح.
ويمثل هذا التكريم التفاتة تقدير واعتراف بإسهامهم في خدمة البحث القانوني، وترسيخ تقاليد علمية رصينة داخل الجامعة المغربية، ومواكبة التحولات التي يعرفها الفكر القانوني المعاصر. ومن هذا المنطلق، لم يكن الطابع التكريمي لهذا العدد منفصلا عن موضوعه، إذ حرصت مجلة الحق والقانون على أن تنفتح الدراسات المنشورة على الحقول العلمية التي أسهم الأساتذة المحتفى بهم في ترسيخها داخل الجامعة، ولا سيما القانون المدني، وقانون الشغل، ونظرية العقد، وقواعد الملكية الفكرية، والقانون العقاري … غير أن هذه الحقول تستعاد هنا في أفق جديد، حيث تختبر مفاهيمها التقليدية في ضوء التحولات الرقمية وإشكالات الذكاء الاصطناعي، وبذلك يتأسس هذا العدد على فكرة الاستمرارية المعرفية، التي ترى في التطور امتدادا للنظرية لا قطيعة معها، وفي التجديد قراءة حديثة لأصول راسخة.
إن القضايا التي يثيرها الذكاء الاصطناعي لا يمكن حسمها من خلال حلول جاهزة أو نقل نماذج تنظيمية بشكل آلي، بل تتطلب اجتهادا علميا رصينا، وحوارا أكاديميا مستمرا، ومقاربة متعددة الأبعاد تستحضر خصوصية السياق القانوني والمؤسساتي. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا العدد إلى الإسهام في تعميق النقاش حول سبل بناء إطار قانوني متوازن، قادر على ضبط المخاطر دون إعاقة الابتكار، وعلى حماية الحقوق دون تجميد دينامية التطور التكنولوجي.
وفي هذا الأفق، يظل البحث العلمي رافعة أساسية لتطوير القواعد القانونية وتأطير التحولات الرقمية، بما يعزز دور القانون في تنظيم المجتمع وضمان استقراره وعدالته في عصر تتسارع فيه التقنيات وتتجدد فيه التحديات.
الدكتور سعيد الصديقي
أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية
جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس





