إن مبدأ حماية القاصرين وحقوقهم يعد من الأسس الجوهرية التي يرتكز عليها القانون، ويجب أن تتخذ الدولة كافة التدابير لضمان حقوق القاصرين، خاصة في إطار الولاية على أموال القاصر، وعلى الرغم من أن مدونة الأسرة قد منحت للولي سلطة التصرف في أموال القاصر، إلا أن هذا الحق لا ينبغي أن يكون مطلقًا، فمن هنا تبرز أهمية التدخل القضائي كمؤسسة رقابية تهدف إلى حماية مصلحة القاصر وضمان عدم استغلال سلطات الولي بشكل يتعارض مع تلك المصلحة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تكون أي تصرفات من قبل الولي على أموال القاصر، مثل البيع أو أي تصرف ناقل للملكية، خاضعة لإذن قاضي شؤون القاصرين، الذي يجب أن يضمن أن التصرف يحقق مصلحة القاصر ولا يؤدي إلى ضررٍ به، وهذا الإذن القضائي لا يجب أن يكون مجرد إجراء شكلي، بل عملية حقيقية تعكس تدخل القضاء لضمان التوازن بين سلطات الولي وحماية مصلحة القاصر.
في هذا السياق، ورغم وجود نصوص قانونية تسمح للولي بإدارة أموال القاصر والتصرف فيها، إلا أن هذه التصرفات يجب أن تكون تحت رقابة القضاء، خاصة في حالات بيع الممتلكات العقارية أو التصرفات التي قد تكون لها تبعات كبيرة على الوضع المالي للقاصر، حيث إن فتح المجال أمام الولي للتصرف في أموال القاصر دون رقابة قضائية قد يؤدي إلى مخاطر عدة، أبرزها استغلال ضعف القاصر وعدم قدرته على الدفاع عن حقوقه، مما قد يعرضه لظروف قانونية ومالية قد تكون ضارة بمستقبله.
فقد أجمع العديد من الفقهاء على أن سلطة الولي ليست سلطة مطلقة، بل مقيدة دوماً بمصلحة القاصر، ويُعتبر الإذن القضائي في التصرفات المالية الخاصة بالقاصر آلية ضرورية لضمان رقابة فعّالة على هذه التصرفات، بما يحقق العدالة ويحفظ حقوق القاصرين في مواجهة أي تصرفات قد تكون ضارة أو غير مدروسة.
وبناءً على ما سبق، في تقديري الشخصي، إن إلزام الولي بالحصول على إذن قضائي قبل التصرف في أموال القاصر يندرج ضمن مقاربة قانونية ومنهجية تؤمن بأن حماية أموال القاصرين لا يمكن أن تُترك لتقدير الولي الفردي فقط، بل يجب أن تُؤطر بإجراءات قانونية رقابية واضحة ومُلزمة، وعلى رأسها تدخل القاضي المختص، ويزداد هذا الرأي وجاهة وإلحاحًا في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع، حيث تراجع تأثير الوازع الديني والأخلاقي لدى بعض الأولياء، وازدادت مظاهر الفردانية وطغيان القيم المادية على حساب قيم التضحية والمسؤولية الأسرية، مما يجعل القاصر أكثر عرضة للاستغلال أو التصرف غير الرشيد في أمواله. لذلك، لم يعد كافيًا التعويل فقط على حسن نية الأب أو الأم أو افتراض قيامهما بواجباتهما على الوجه الأكمل، بل أصبح من الضروري أن تتدخل الدولة، من خلال القضاء، لضبط هذه العلاقة وضمان عدم المساس بحقوق القاصر، بما يعكس روح العدالة الوقائية ويستجيب لمتطلبات مجتمع متحوّل يفرض يقظة قانونية دائمة.
ومن ثَم، فإن هذا الرأي لا يُعدّ مجرد طرح نظري أو موقف اجتهادي، بل هو مطلب تشريعي ملحّ ينبغي أن يُؤخذ بعين الاعتبار في إطار التعديلات المرتقبة لمدونة الأسرة. فالقصور الذي يعتري الصياغة الحالية لمدونة الأسرة يفتح المجال لاجتهادات متباينة، ويجعل حماية القاصر رهينة بتقدير ذاتي للولي، مما قد يُفضي إلى أضرار لا يمكن تداركها إلا بعد فوات الأوان. فالتنصيص الصريح على إلزامية الإذن القضائي في جميع التصرفات التي من شأنها تفويت أموال القاصر، ولا سيما العقارات أو الممتلكات ذات القيمة المالية الكبيرة، من شأنه أن يحقق الأمن القانوني ويوطد ثقة الأسر والمجتمع في دور القضاء كضامن فعلي لمصلحة القاصر، كما أن إدراج هذا التعديل سيعزز من انسجام مدونة الأسرة مع المقتضيات الدستورية والمعايير الدولية ذات الصلة، ويعكس التطور الذي شهده الوعي القانوني بالمصلحة الفضلى للطفل في السياق المغربي. وعليه، فإن استحضار هذا الرأي خلال عملية الإصلاح يُعدّ ضرورة ملحّة، تندرج ضمن رؤية شمولية تروم تعزيز حماية الطفولة وتقوية الرقابة على أموال القاصرين، بما يواكب تحولات المجتمع ويكرّس دولة الحق والقانون.
الدكتور عبد الله الحرشي








